خليل الصفدي
172
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
أخذ المعنى لا يزال يستقصى فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقيّة . فربما سمّج بعض الأوقات . ومعانيه غريبة جيّدة ، وكان إذا أعجبه المعنى كرّره في عدة مواضع في قواف مختلفة ، وقال الخالديان : لم نر كابن الرومي إذا انفرد بالمعنى جوّده ، وإذا تناوله من غيره قصّر فيه . قلت أنا : العلّة فيه أنه شاعر فحل ، فإذا أخذ بكرا جوّده وأتى فيه بأجود ما يقال ، وهو / لا يأخذ إلا من فحل مثله ، ويكون ذلك قد أخذ المعنى بكرا فذهب بجيده وترك رويّه . وقد بالغ ابن سناء الملك رحمه اللّه حيث أجاب القاضي الفاضل وقد أمره باختيار شعر ابن الرومي ، فقال : وأما ما أمر به في شعر ابن الرومي فما المملوك من أهل اختياره ، ولا من الغواصين الذين يستخرجون الدرّ من بحاره ، لأن / بحاره زخّارة ، وأسوده زآره ، ومعدن تبره مردوم بالحجارة ، وعلى كل عقيلة منه ألف نقاب بل ألف ستارة . يطمع ويؤيس ويوحش ويؤنس ، وينير ويظلم ، ويصبح ويعتم شذره وبعره ، ودرّه وآجرّه ، وقبلة تجانبها السّبّة ، وصرّة بجوارها قحبة ، ووردة قد حفّ بها الشوك ، وبراعة قد غطّى عليها النّوك . لا يصل الاختيار إلى الرطبة حتى يخرج بالسلّى ، ولا يقول عاشقها : هذه الملح قد أقبلت حتى يرى الحسن قد تولّى . فما المملوك من جهابذته ، وكيف وقد تفلّس فيه الوزير ، ولا من صيارفته ونقّاده . ولو اختاره جرير لأعياه تمييز الخيش من الوشي والوبر من الحرير . حكى ابن رشيق وغيره أن لائما لام ابن الرومي فقال له : لم لا تشبّه كتشبيهات ابن المعتز وأنت أشعر منه ؟ قال له : أنشدني شيئا من قوله الذي استعجزتني في مثله ، فأنشده قوله في الهلال : [ من الكامل ] وانظر إليه كزورق من فضّة * قد أثقلته حمولة من عنبر « 1 »
--> ( 1 ) ديوان ابن المعتز 2 / 185 ، أما البيت الأول فهو : أهلا بفطر قد أنار هلاله * فالآن فاغد على المدام وبكّر